إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

37

زهر الآداب وثمر الألباب

في جوانب السمع ، لا يخلقه عوده على المستعيد « 1 » : وهو المشيّع بالمسامع إن مضى وهو المضاعف حسنه إن كرّرا وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقني إلى مثل ما جريت إليه ، واقتصرت في هذا الكتاب عليه ، لملح أوردتها كنوافث السحر « 2 » ؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر ، من ألفاظ أهل العصر ، في محلول النثر ، ومعقود الشعر ؛ وفيهم من أدركته بعمرى ، أو لحقه أهل دهري ؛ ولهم من لطائف الابتداع ، وتوليدات الاختراع ، أبكار لم تفترعها الأسماع « 3 » ، يصبو إليها القلب والطَّرف ، ويقطر منها ماء الملاحة والظَّرف ، وتمتزج بأجزاء النفس ، وتسترجع نافر الأنس ، تخلَّلت تضاعيفه ، ووشّحت تأليفه ، وطرّزت ديباجه ، ورصّعت تاجه ، ونظمت عقوده ، ورقمت بروده ؛ فنورها يرفّ ، ونورها يشفّ ، في روض من الكلم مونق ، ورونق من الحكم مشرق : صفا ونفى عنه القذى فكأنه إذا ما استشفّته العيون مصعّد « 4 » فهو كما قلت : بديع نثر رقّ حتّى غدا يجرى مع الرّوح كما تجرى من مذهب الوشى على وجهه ديباجة ليست من الشعر « 5 » كزهرة الدنيا وقد أقبلت ترود في رونقها النّضر « 6 » أو كالنسيم الغض غبّ الحيا يختال في أردية الفجر « 7 » ولعل في كثير مما تركت ، ما هو أجود من قليل مما أدركت ؛ إذ كان اقتصارا من كلّ على بعض ، ومن فيض على برض « 8 » ؛ ولكني اجتهدت في اختيار

--> « 1 » لا يخلقه : لا يذهب بجدته ورونقه « 2 » الملح : جمع ملحة ، وهي الكلمة المستملحة المستعذبة . والنوافث : جمع نافثة ، وهي الساحرة « 3 » افترع البكر : فض بكارتها « 4 » تصعد : ارتفع « 5 » وشى مذهب : مطرز بالذهب « 6 » ترود : تختال « 7 » غب الحيا : عقب المطر « 8 » فيض : كثير ، وبرض : قليل